حبيب الله الهاشمي الخوئي

219

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

القلب ومترتّبة عليها لا بالعكس . وبعد اللَّتيا والَّتي فالَّذي يخطر بالبال في حلّ الاشكال السابق أنّ معنى الحديث أنّه لا يعرف استقامة ايمان عبد إلَّا بأن يعرف استقامة قلبه ، ولا يعرف استقامة قلبه إلَّا باستقامة لسانه ، فيستدلّ باستقامة اللَّسان على الحقّ أي بتنطقه على كلمة التوحيد والنبوّة والولاية ، وبامساكه عن الغيبة والنميمة والكذب وغيرها من هفوات اللَّسان على استقامة القلب أي على إذعانه بما ذكر وعلى خلوّه عن الأمراض النفسانية ويستدلّ باستقامته على استقامة الايمان أي على أنّ العبد مؤمن كامل . ويقرب هذا التوجيه أنّه عليه السّلام لما ذكر أنّ لسان المؤمن من وراء قلبه وأنّ قلب المنافق من وراء لسانه عقّبه بهذا الحديث ليميّز بين المؤمن والمنافق ، ويحصل لك المعرفة بها حقّ المعرفة فيسهل عليك التشخيص إذا بينهما إذ تعرف بعد ذلك البيان أنّ مستقيم اللَّسان مؤمن وغير مستقيمه منافق . قال الشارح الفقير الغريق في بحر الذّنب والتقصير : إنّي قد أطلت فكرى وأتعبت نظري في توجيه معنى الحديث وأسهرت ليلتي هذه وهي اللَّيلة الثالثة عشر من شهر اللَّه المبارك في حلّ إشكاله حتّى مضت من أوّل اللَّيل ثماني ساعات وأثبتّ ما سنح بالخاطر وأدّى إليه النّظر القاصر ، ثمّ تجلَّى بحمد اللَّه سبحانه ومنّته نور العرفان من ألطاف صاحب الولاية المطلقة على القلب القاسى فأسفر عنه الظلام واهتدى إلى وجه المرام فسنح بالبال توجيه وجيه هو أعذب وأحلى ، ومعنى لطيف هو أمتن وأصفى وهو أن يقال : إنه عليه السّلام كنّى باستقامة الايمان والقلب واللَّسان عن كمالها وأنّ مراده أنّ من أراد أن يكون ايمانه كاملا أي ايمانا نافعا في العقبى لا بدّ من أن يكمل قلبه أي يكون بريئا سالما من الأمراض النفسانيّة ، ومن أراد كمال قلبه فلا بدّ له من أن يكمل لسانه أي يكون محفوظا من العثرات مختزنا إلَّا عن خير ، ففي الحقيقة الغرض من الحديث التّنبيه والارشاد إلى تكميل القلب واللَّسان لتحصيل كمال الايمان .